محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
206
بدائع السلك في طبائع الملك
لضيقها عن اتساع الوزائع ، والمتغلبة لبداوة أولها ، تتجافى عن الأموال ، فتقل وزائعها كذلك ، وعلى التقديرين فتنبسط الأموال في الاعمال ، التي بها كثرة العمران المفيد لوفور مال الجباية « 172 » . الثالث : وهو أيضا خاص بالدولة القوية الأصل لأنها لتلك القوة يجتمع لها من المال ما هو بنسبتها ، وشاهد ذلك أثره في العطاء ، والاستعداد له . وهؤلاء البرامكة كانوا إذا أكسبوا معدما انما ، هو الملك والولاية والنعمة آخر الدهر ، لا العطاء الذي يستنفده يوم أو بعض يوم . وهذا جوهر « 173 » الكاتب ، قائد جيوش بني عبيد لما ارتحل إلى فتح مصر ، استعد من القيروان بألف حمل من المال . قال ابن خلدون . « ولا تنتهي اليوم دولة لمثل هذا . » المسألة الثانية : في سبب نقصه بعد الكثرة . وحاصله : العدول عن العدل الذي به كثرة المال ونماؤه ، وتلخيص بسطه ، بذكر آفات منه طبيعية ، تكفي الواحدة منها في ذلك ، وأولى إذا اجتمعت . الآفة الأولى : تكثير الوظائف عند ذهاب بداوة الدولة ، لتعاقب مددها في ترف الملك العضوض ، واستحالة خلقها الساذج إلى خلق الحضارة الحاملة على التوسع في ما وراء الضروريات ، ولا تزال مزيدا فيها مقدارا بعد آخر ، لتدرج الدولة في عوائد الترف وكثرة الانفاق بسببه ، حتى تثقل على الرعية ، وتفرط في الخروج عن الاحتمال ، فتذهب غبطتها في الاعتمار لعدم فائدته ، إذا قوبل ما بين نفعه ومغارمه . وبين ثمرته وفائدته ، وتنقبض أيدي الكثير عنه فتنقص الجباية لا محالة « 174 » .
--> ( 172 ) استند ابن الأزرق على مقدمة ج 2 ص 837 - 838 . ( 173 ) جوهر بن عبد الله الصقلي ، أبو الحسن ، المعروف بالكاتب الرومي ، وهو القائد الذي فتح مصر للمعز لدين الله الفاطمي ، وباني مدينة القاهرة ، وقد دخل مصر سنة 350 ه وبقي حاكما فيها حتى جاء المعز سنة 362 ه . وتوفي في القاهرة . وفيات الأعيان ج 1 ص 375 - 380 . والنجوم الزاهرة ج 4 ص 28 . وابن عساكر ج 3 ص 416 . وخطط مبارك ج 2 ص 45 . ومعجم البلدان ج 7 ص 19 . ( 174 ) استند ابن الأزرق على مقدمة ج 2 ص 838 - 839 .